مراجعة فيلم : جـانـغــو

From The Spaghetti Western Database

Django

يعتبر فيلم " جانغو " واحد من الأفلام الهامة التى أحدثت نقلة كبيرة فى عالم الغرب الإسباجيتى و أدخلته إلى منعطف من القتل و العنف غير المسبوق، بل و أضاف إلى سينما الغرب الإيطالية بطلاً جديداً بعد " الرجل الذى لا يحمل أسماً " من " ثلاثية الدولار " للمخرج الكبير " سيرجيو ليون "، حيث كانت سينما الغرب الإسباجيتى بحاجة إلى بطل جديد بعد خلو الساحة من بطل يقارع " الرجل الذى لا يحمل أسماً "، من الجدير بالذكر أن شخصية " جانغو " هى النسخة التى أنتجها لنا المخرج " سيرجيو كوربوتشى " متأثراً بفيلم لبطل ساموراى يابانى يدعى " يوجيمبو " 1961م ، و هو أيضاً شخصية تم أختلاقها من قبل المخرج اليابانى الشهير " أكيرا كوروساوا " و التى أعجبت " كوربوتشى " إلى الحد الذى جعله ينوى إعادة إنتاج الفيلم و لكن بنكهة غربية، و لأن " ليون " سبق " كوربوتشى " بتقديم بطله " الرجل الذى لا يحمل أسماً " و الذى كان متأثراً أيضاً بفكرة فيلم " يوجيمبو " و طبق محاكاة لنفس قصة البطل عبر فيلم " قبضة من الدولارت " فى عام 1964م، قرر " كوربوتشى " عدم تخليه عن فكرة تقديم بطله الجديد مستنداً على نفس بطل الساموراى و لكن أراد أن يكون " جانغو" مختلفاً تماماً من حيث المظهر و الأسلوب عن أى بطل سبق ظهوره فى عالم أفلام الغرب بصفة عامة، و مع ظهور شخصية " جانغو " فى فيلم المخرج " سيرجيو كوربوتشى" ، أُعتبر الأعنف مقارنة بسابقيه، بلا شك الفيلم نفسه لم يكن بقيمة و فنيات " ثلاثية الدولار "، حتى أن" جانغو " كعمل أتت العديد من الأفلام التى تفوقه فى جميع النواحى على مستوى الحبكة و السيناريو و الأداء و غيرها و لكن " جانغو " أخذ شهرة واسعة نتيجة للعنف و الترويج الجيد الذى صحبه، نظراً لأن " فرانكو نيرو " لم يكن نجماً من العيار الثقيل فى ذلك الوقت و تطلب الأمر المزيد من الدعايا لتذهب الجماهير إلى السينما لمشاهدة الفيلم، كما أن خلو سينما الإسباجيتى من أبطال أسطوريين فى تلك الفترة بأستثناء " الرجل الذى يحمل أسماً "، سمح لـ " جانغو " أن يدخل حيز الشهرة من أوسع الأبواب، لن ننسى إننا نتحدث عن وقت لم يكن موجود به " سارتانا " أو " ساباتا " أو " ترينتى " أو حتى أبطال فترة الغسق المتأخرة كـ " شاكو " و " كيوما " و " النصل " و " مايكل راندوم "، كما أن " جانغو " كان أحد التجارب المبكرة للمخرج الإيطالى " سيرجيو كوربوتشى " فى عالم الغرب الإسباجيتى، و نظراً لعدم نجاح فيلمه الأول " مينيسوتا كلاى " بالشكل المطلوب، أراد أن يُقدم فى " جانغو " شيئاً أفتقره فيلمه الأول و هو العنف المفرط، و لخبرته الكبيرة فى أفلام " السيف و الصندل " تمكن من وضع لمسات جديدة من خلال " جانغو " كانت تفتقرها سينما الإسباجيتى فى ذلك الوقت و هى السادية و القتامة و البطل الكئيب الذى لا يبتسم و يبدو قذراً فى مظهره، مما جعل الفيلم فريداً من نوعه، ليحقق الفيلم أول نجاح تجارى كبير للمخرج " سيرجيو كوربوتشى " و ممثله الصاعد " فرانكو نيرو"، ذلك النجاح الذى أوصل " جانغو " إلى السينمات العربية فى أواخر الستينيات و جعل الفيلم معروفاً للغاية بالنسبة لأبناء ذلك الجيل .

Djangoscreen2.jpg

" جانغو " هو شخص وحيد و غامض يظهر عليه البؤس، يحمل سرجاً على ظهره و يسحب تابوتاً يبدو عليه الثقل و يرتدى ملابس سوداء بالية و بنطال فى حالة سيئة يحمل خطين أصفرين اللون مثل تلك البناطيل التى كانت ترتديها القوات الشمالية فى الحرب الأهلية الأمريكية، كما إنه جندى سابق فى تلك الحرب و قاتل من أجل الشمال، تبدأ أحداث الفيلم عندما يلتقى " جانغو " بمجموعة من الجنوبيين المتطرفين الذين على وشك أن يقتلوا إمرأة شقراء تدعى " ماريا "، يقوم " جانغو " بقتلهم و أصطحاب المرأة إلى مدينة مهجورة حيث توجد حانة يتردد عليها الرائد " جاكسون " و رجاله و عصابة من المكسيكيين الذين يقومون بالقتل و السطو، مع مرور الأحداث يقوم " جانغو " بقتل جميع رجال الرائد " جاكسون " و ينضم فى تحالف مع المكسيكيين من أجل سرقة ذهب تابع للقوات الفيدرالية و بعد نجاح السرقة، يخشى " جانغو" ألا يحصل على حصته من الذهب، فيسرقه كله و يهرب برفقة " ماريا " و لكن نتيجة لحادث يفقد " جانغو " الذهب و يعثر عليه المكسيكيون و يحطمون يديه و يتركونه حياً، إلا أن العصابة المكسيكية تُقتل على يد الرائد " جاكسون " و القوات الفيدرالية، و من ثم يتوجه الرائد للنيل من " جانغو" و الذى سيكون بإنتظاره بالمقابر من أجل النزال الأخير .

لم يتوقف فيلم " جانغو" عند حد البطل القاتل و الكئيب بل أمتد لما هو أكثر من ذلك، فقد جسد الفيلم جماعة الـ " كو كلوكس كلان " المتطرفة و المعروفة بدمويتها و التى يقودها الرائد " جاكسون " من أجل إشعال حربه الخاصة بعد إنتهاء الحرب الأهلية، كما ظهرت الجماعة بنفس الممارسات المعروفة عنها، مثل الإبادة العرقية و إحراق الصليب و غيرها، أما من الناحية الأخرى فقد أظهر لنا الفيلم عصابة من قطاع الطرق المكسيكيين الذين يعبثون ما بين الحدود، يقتلون و يسرقون و لا أحد قادر على ردعهم حتى الرائد " جاكسون " نفسه، و هنا نقف أمام مُعادلة فريدة من نوعها، مدينة مهجورة يكسوها الوحل و شخص غامض يسحب من خلفه تابوت ثقيل بين جماعة دينية متطرفة يقودها رائد ذو أطماع مادية و سياسية و عصابة من قطاع الطرق المكسيكيين، ألم أقل إنها معادلة فريدة من نوعها ؟، و مع ذلك نجح المخرج " كوربوتشى " فى حلها من خلال الأحداث دون أن يطيل وقت الفيلم أو يصيبنا بالملل نحن المشاهدين، فعلى الرغم من أن كل طرف من الثلاثة يستحق فيلم وحده إلا إنه قدم كل شئ فى تسلسل زمنى رائع و هو أمر يُحسب له فى الحقيقة .

الوحل .. الوحل، دعونى أتوقف عند الوحل قليلاً، فالوحل كان أبرز ما يميز هذا الفيلم و خصوصاً شجار العاهرات أمام الحانة، حيث غطى الوحل كلا العاهرتين أثناء الشجار، لم أفهم قصد " كوربوتشى " من هذا الشجار الموحل و لكننى عللت بينى و بين نفسى أن كثرة الوحل كانت دلالة رمزية على أن الأحداث تجرى فى مستنقع من الحقد و الكراهية و الإنتقام و الأضطهاد، فمن ناحية نرى الحقد و الكراهية بين جماعة الرائد " جاكسون " و العصابة المكسيكية، و من ناحية أخرى نرى الرغبة فى الإنتقام فى عيني " جانغو" منذ وصوله إلى المدينة المهجورة، و الأضطهاد بأستغلال العاهرات و أجبارهم على فعل أشياء معينة و قتل الفلاحين المكسيكيين من قبل " جاكسون " و رجاله، بل و رغبة كل طرف من الثلاثة فى القضاء على الآخر من خلال مجريات الأحداث، حتى أن الصداقة بين " جانغو " و رئيس العصابة المكسيكية تتحول فجأة إلى عداوة من بعد خيانة " جانغو " و سرقة الذهب، من الجدير بالذكر أن الأفلام التى تأثرت بفكرة الأرض الموحلة فى فيلم " جانغو " فيما بعد كانت " كيوما " و " رجل يدعى النصل " و " كاليفورنيا " .

Django3.jpg

شخصية " جانغو " توقفت عندها كثيراً، فهى غامضة و مليئة بالحزن و الهدوء، ذلك الهدوء الذى شعرت إنه يسبق العاصفة منذ إن شاهدته فى بداية الفيلم، و لكن أسئلة كثيرة تبادرت إلى ذهنى و منها السؤال الأهم، هل هو قاتل بطبعه ؟، أم أن دافع الإنتقام هو من قاده إلى القتل بهذه الوحشية ؟، فالمشهد الذى كان يطلق فيه النار بواسطة الرشاش الآلى على رجال " جاكسون"، أظهر لي كم الكراهية التى يتمتع بها " جانغو " إتجاه أعدائه، و لكن مع أنتقال الأحداث و سيرها، وجدت الإجابة على لسان رئيس العصابة المكسيكية، عندما قام بتعريف " جانغو " إلى رجاله، فقد وصفه بالقاتل و السارق، إذاً " جانغو " لا يختلف كثيراً عن أعدائه، فهو من نفس الرحم، و الدليل ثبت أيضاً عندما أحس بالغدر من المكسيكيين سارع بسرقة الذهب لحسابه على الرغم من رغبتهم فى إبقائه كقائد ضمن جماعتهم، و من هنا يتضح أن شخصية " جانغو " قد أكتملت معالمها من خلال سيناريو الأحداث و هو ما يُحسب أيضاً لصناع الفيلم، فنحن نقف أمام قاتل و سارق ينتقم من متطرفين و يخون قطاع طريق، يا له من مزيج !

الرشاش الآلى ... فى الحقيقة أقتران الرشاش الآلى بـ " جانغو " أكسبه القوة الكبيرة التى تميزه عن أبطال الغرب الإسباجيتى الذين ظهروا من قبله، فقط تخيل أن بيدك مسدس أو بندقية تحتاج إلى التلقيم لتطلق بها، بينما خصمك يمسك برشاش آلى يطلق عشرات الرصاصات فى الثانية الواحدة، بالتأكيد أنت هالك لا محالة، من المجنون الذى يمكنه التصدى إلى مثل هذا السلاح المرعب ؟، من الجدير بالذكر أن الرشاش الآلى ظهر مرة أخرى بيد " فرانكو نيرو " مع نفس المخرج " سيرجيو كوربوتشى " و ذلك فى فيلم " الرفقاء " عام 1970م، عندما أباد رجال الجنرال " مونجو " و أنتصر لرفقاء الثورة المكسيكية فى تلك المعركة .

Djangoscreen4.jpg

السادية غير المسبوقة فى الفيلم، من يمكن أن ينكر أن " جانغو " هو الأكثر سادية فى وقته مقارنة بغيره من أفلام الغرب الإسباجيتى ؟، أعتقد لا أحد يمكنه إنكار ذلك، فعند النظر إلى مشهد قطع أذن القس الجاسوس التابع لـ " جاكسون" على يد قطاع الطرق المكسيكيين و إجباره على وضعها فى فمه و من ثم قتله، كان أمراً مثيراً للأشمئزاز و ملئ بالسادية التى لم أراها شخصياً فى فيلم إسباجيتى من قبل " جانغو "، المشهد الثانى الذى أشعر الجميع بالألم و ليس أنا فحسب، هو مشهد تحطيم يداي " جانغو " عقاباً له على سرقة الذهب من المكسيكيين، فالتحطيم الذى تعرضت له يداي " جانغو " من شأنه أن يبقى بطل الفيلم غير قادر على أستخدامها بالشكل الصحيح للأبد، و من الجدير بالذكر أن الفيلم تم منع عرضه فى بريطانيا و لم يُعرض بها حتى أوائل التسعينيات نظراً لمحتواه العنيف .

حتمية المواجهة .. من الأمور التى أعجبتنى هو أن الفيلم لم يترك لأشرار الفيلم أى فرصة للفرار من الموت، حتى من بعد ترك العصابة المكسيكية لـ " جانغو " محطم اليدان بالقرب من الجسر، أنطلقوا نحو المكسيك ليجدوا " جاكسون " و الفيدراليين بإنتظارهم لقتلهم قبل أن يعبروا الحدود، الأمر ذاته فى تصميم " جانغو " على مواجهة " جاكسون " و القضاء عليه و عدم الهرب و تركه حياً من خلفه، هذا الأصرار على الإنتقام و القضاء على الخصم لم أراه من قبل بهذه الطريقة، الأمر الذى جعلنى أتخيل قدر التعطش للدماء الذى تمتعت به شخصيات الفيلم و ليس " جانغو " فحسب .

Djangoscreen5.jpg

الأغنية و الموسيقى التصويرية .. فى الحقيقة أنا أعتبر الموسيقار " لويس باكلوف " أحد أبطال الفيلم بأمتياز من خلال موسيقته التصويرية الرائعة و أغنية الفيلم الشهيرة التى أضافت للفيلم الكثير و الكثير، فقط ظهرت مع بداية الفيلم و مع نهايته لتضفى سحراً لا يوصف، فأنا من محبى أغنية " جانغو " و لا أنكر دورها الكبير فى شهرة الفيلم، حتى أن المخرج " كوانتين تارانتينو " أستعان بها فى فيلمه الذى حمل عنوان " جانغو الحر " 2012م، و التى بدورها أضافت لفيلمه المزيد من السحر و الرقى .

أراد المخرج أن يجعل نهاية فيلم " جانغو " مثيرة بالنسبة للمشاهدين، فأراد جعله غير قادراً على أستخدام مسدسه و فى مواجهة عدد من المتطرفين يتزعمهم " جاكسون "، لدرجة أستعانة " جانغو " بصليب مقبرة لحمل مسدسه عليه لكى يتمكن من الإطلاق بإتجاه من يريدون قتله، بالطبع كانت فكرة رائعة من مخرج الفيلم لأستفزاز مشاعر المشاهدين بالشعور بالقلق على بطل الفيلم من الموت، و الأجمل من كل هذا، اللوحة التى رسمها " كوربوتشى " فى أخر مشاهد الفيلم، عندما ترك " جانغو " مسدسه ملطخ بالدماء و أتجه مغادراً المقابر فى إشارة إلى نهاية الإنتقام و القتل بالنسبة إليه لدرجة إنه لم يعد يرغب فى حمل المسدس بعد هذه اللحظة .

This review of Django was written by صهيب ابو النجا‎ (Sohaib Abo El-Naga).

  • Newsletter
  • Giallo
  • Spaghetti Western books
  • Arrow Video